يرى كل من حزب اليسار، و حزب الخضر، والحزب الاشتراكي الديمقراطي  في ولاية برلين  منح الأفراد الحق في التصويت والترشح للمناصب السياسية، حتى في حال عدم حملهم لجواز سفر ألماني. وتذكر الأحزاب الثلاثة، في ورقة سياسات أولية، أنه ينبغي منح "جميع الأشخاص" -بعد إقامتهم في ألمانيا لمدة خمس سنوات- حق التصويت وحق الترشح للانتخابات البلدية؛ وهو هدف تعتزم هذه الأحزاب الدفاع عنه "بكل حزم".

 

ما هو الوضع القانوني الحالي؟

ينص الدستور الألماني على أن ممارسة السلطة السياسية تعود إلى "الشعب الألماني"، وهو ما يفسر تقليديا على أنه يشير إلى حاملي الجنسية الألمانية. ولذلك لا يسمح للأجانب بالمشاركة في انتخابات البرلمان الاتحادي أو برلمانات الولايات، كما لا يحق لهم التصويت في الاستفتاءات على المستويين الاتحادي والإقليمي، وفق وزارة الداخلية الألمانية .

ويستند هذا المبدأ الى المادة العشرين من القانون الأساسي الألماني، التي تنص على أن جميع سلطات الدولة تنبع من الشعب. ووفقا للتفسير الدستوري السائد، فإن المقصود بالشعب هنا هو مجموعة المواطنين الألمان، وليس جميع المقيمين داخل الدولة.

الاستثناء الأوروبي

رغم هذا القيد الدستوري، توجد استثناءات محددة لمواطني دولالاتحاد الأوروبي . فمنذ عام 1992 يحق لهم المشاركة في الانتخابات البلدية والمحلية في ألمانيا، حتى لو لم يكونوا يحملون الجنسية الألمانية. وقد جاء هذا التعديل تنفيذا لالتزامات ألمانيا داخل الاتحاد الأوروبي، التي تمنح مواطني الاتحاد حقوقا سياسية معينة في الدولة العضو التي يقيمون فيها.

لكن هذا الحق يظل محصورا في المستوى المحلي فقط، ولا يمتد إلى انتخابات البرلمان الاتحادي أو برلمانات الولايات. كما لا يشمل المقيمين القادمين من دول خارج الاتحاد الأوروبي.

كيف بدأ الجدل حول توسيع حق التصويت؟

عاد النقاش بقوة في برلين  بعدما دعت أحزاب اليسار والخضر و الحزب الاشتراكي الديمقراطي الى منح جميع المقيمين حق التصويت والترشح بعد خمس سنوات من الإقامة القانونية في ألمانيا. وترى هذه الأحزاب أن المشاركة السياسية يجب ألا تكون مرتبطة حصرا بالجنسية، بل بالارتباط الفعلي بالمجتمع والمساهمة فيه. وقد لخصت هذه الفكرة بعبارة مفادها أن المشاركة لا ينبغي أن تكون مسألة مرتبطة بجواز السفر فقط، وفق موقع تاغسشبيغل.

ويستند مؤيدو الفكرة إلى حقيقة أن مئات الآلاف من سكان برلين لا يملكون الجنسية الألمانية، رغم أنهم يعملون ويدرسون ويدفعون الضرائب ويشاركون في بناء المدينة. ويرون أن هؤلاء يتأثرون بالقرارات السياسية شأنهم شأن المواطنين، ولذلك ينبغي أن تكون لهم كلمة في اختيار صناع القرار.

حجج المؤيدين

يقدم المؤيدون عدة مبررات لتوسيع حق التصويت. أول هذه الحجج يتمثل في مبدأ "لا ضرائب بلا تمثيل"، إذ يعتبرون أن من يدفع الضرائب ويسهم في الاقتصاد يجب أن يتمتع بالقدرة على التأثير في السياسات العامة التي تمس حياته اليومية. كما يجادلون بأن الاندماج لا يقتصر على تعلم اللغة أو الحصول على وظيفة، بل يشمل أيضا المشاركة في الحياة السياسية. ومن وجهة نظرهم، فإن منح المقيمين الأجانب حق التصويت قد يعزز إحساسهم بالانتماء والمسؤولية تجاه المجتمع والدولة.

ويشير بعض المدافعين عن الفكرة إلى أن عددا متزايدا من سكان المدن الكبرى في ألمانيا لا يملكون الجنسية  الألمانية، ما يعني أن نسبة معتبرة من السكان لا تملك أي وسيلة للتأثير في القرارات السياسية المحلية رغم تأثرها المباشر بها.

حجج المعارضين

في المقابل، يرفض كثير من خبراء القانون الدستوري هذا الطرح، معتبرين أنه يتعارض مع المبادئ الأساسية للقانون الأساسي الألماني (الدستور). ويؤكد هؤلاء أن منح حق التصويت لغير المواطنين يتطلب تغييرا دستوريا عميقا، لأن النظام الدستوري الحالي يربط الحقوق السياسية الكاملة بحيازة الجنسية الألمانية، كما جاء على موقع وزارة الداخلية.

واعتبر عدد من أساتذة القانون الدستوري أن أي محاولة لمنح حق التصويت لغير المواطنين على مستوى الولايات ستكون مخالفة للدستور بصيغته الحالية. كما أشاروا إلى أن المحكمة الدستورية الاتحادية سبق أن أوقفت محاولات مشابهة في الماضي عندما رأت أنها تتعارض مع مفهوم الشعب الوارد في القانون الأساسي.

ويرى المعارضون أيضا أن الجنسية ليست مجرد وثيقة قانونية، بل  علاقة سياسية  وقانونية خاصة بين الفرد والدولة تتضمن حقوقا وواجبات متبادلة. ومن ثم فإن حق التصويت ينبغي أن يبقى مرتبطا بهذه العلاقة.

دور المحكمة الدستورية

يلعب القضاء الدستوري دورا محوريا في هذا الملف. فقد استند العديد من خبراء القانون إلى أحكام سابقة للمحكمة الدستورية الاتحادية أكدت أن المشاركة السياسية مرتبطة بالشعب الألماني كما يعرفه الدستور. ولهذا السبب ينظر كثيرون إلى أي محاولة لتوسيع حق التصويت على نطاق واسع على أنها ستواجه طعونا قضائية سريعة وقد تنتهي أمام  المحكمة الدستورية في كارلسروه.

ولهذا السبب يرى بعض المختصين أن الطريق القانوني الوحيد لتغيير الوضع الحالي هو تعديل الدستور نفسه، وليس مجرد سن قوانين جديدة على مستوى الولايات أو البلديات.

بالمقابل، تؤكد الحكومة الاتحادية أن  المقيمين الأجانب الذين يرغبون في المشاركة السياسية الكاملة  يملكون خيارا واضحا، وهو الحصول على الجنسية الألمانية عبر التجنيس. فعند اكتساب الجنسية يصبح الشخص مواطنا يتمتع بجميع الحقوق السياسية، بما فيها حق التصويت والترشح في مختلف الانتخابات.

وينظر مؤيدو هذا الطرح إلى التجنيس باعتباره الحل الذي يجمع بين الاندماج واحترام النظام الدستوري. أما منتقدوه فيرون أن بعض المقيمين لا يستطيعون أو لا يرغبون في التخلي عن جنسياتهم الأصلية، ولذلك لا ينبغي ربط المشاركة السياسية الكاملة بشرط الحصول على الجنسية.

ماذا قد يعني توسيع حق التصويت؟

لو تم تطبيق المقترحات المطروحة في  برلين، فإن مئات الآلاف من المقيمين الذين لا يحملون الجنسية الألمانية قد يصبحون مؤهلين للمشاركة في الانتخابات. وقد يؤدي ذلك إلى تغييرات ملموسة في الخريطة الانتخابية وفي أولويات الأحزاب السياسية، خاصة في المدن الكبرى التي تضم أعدادا كبيرة من المهاجرين.

كما يمكن أن يدفع الأحزاب إلى منح قضايا الهجرة والاندماج والسكن والتعليم وزنا أكبر في برامجها الانتخابية، نظرا لازدياد حجم الناخبين من ذوي الخلفيات المهاجرة. ومع ذلك، يرى المعارضون أن مثل هذا التحول يجب أن يمر عبر توافق دستوري ومجتمعي واسع بسبب انعكاساته على طبيعة النظام السياسي نفسه.

تحرير: عبده جميل المخلافي