تواجه آلاف المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة بالمغرب مخاطر التعثر والإفلاس خلال السنوات الأولى من تأسيسها، على الرغم من تسجيل مستويات قياسية في إحداث الشركات الجديدة، تجاوزت 51 ألف مقاولة خلال النصف الأول من السنة الجارية، وسط اتساع الفجوة بين دينامية تأسيس الأنشطة الاقتصادية وقدرتها على الاستمرار والنمو. وتضع هذه المفارقة فعالية منظومة المواكبة والتمويل الموجهة للمقاولات الناشئة أمام اختبار حقيقي، خصوصا مع ارتفاع أعباء التشغيل وتأخر تحصيل المستحقات وصعوبة توفير السيولة الضرورية لضمان استمرارية النشاط.

وكشفت معطيات المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية عن إحداث 51 ألفا و805 مقاولات خلال الأشهر الستة الأولى من 2026؛ بينها 39 ألفا ومقاولة واحدة في شكل أشخاص معنويين، و12 ألفا و804 مقاولات فردية. وبلغ عدد الشهادات السلبية المسلمة 68 ألفا و416 شهادة، أي الشهادات التي تثبت عدم تسجيل اسم تجاري معين، بما يعكس استمرار الإقبال على تأسيس المشاريع.

هذه الدينامية تتزامن مع تسجيل مستويات مرتفعة من تعثر المقاولات، إذ أحصت مؤسسة “إنفوريسك” 15 ألفا و307 حالات عجز خلال السنة الماضية، استحوذت المقاولات الصغيرة جدا على 98,8 في المائة منها، مع توقع استمرار المنحى ذاته خلال السنة الجارية.

وأفادت معطيات بشأن وضعية النسيج المقاولاتي بتراكم أعداد مهمة من الشركات غير النشيطة، قدرت بنحو 300 ألف شركة؛ بينها حوالي 250 ألفا مصنفة ضمن المقاولات غير النشيطة لدى المديرية العامة للضرائب، ما يعكس اتساع ظاهرة التوقف الفعلي عن ممارسة النشاط دون المرور بالضرورة عبر مساطر الإفلاس أو التصفية القضائية.

وتثير هذه الوضعية تساؤلات بشأن قدرة المقاولات المحدثة على تجاوز السنوات الأولى من نشاطها، خصوصا في ظل محدودية الرساميل الذاتية وارتفاع التكاليف الثابتة وتزايد الاعتماد على التمويلات قصيرة الأجل لتغطية الاحتياجات اليومية.

وتتركز المخاطر المالية التي تهدد استمرارية المقاولات الناشئة خلال مرحلتين أساسيتين؛ تمتد الأولى بين الشهر الثامن عشر والرابع والعشرين من النشاط، عندما تبدأ السيولة الأولية في النفاد وتتراكم مستحقات الموردين والأجور والالتزامات الجبائية والاجتماعي. وتظهر المرحلة الثانية بين السنة الثالثة والسنة الخامسة، بالتزامن مع ارتفاع متطلبات التوسع والاستثمار والتوظيف. وتزداد حدة هذه المخاطر بالنسبة إلى المقاولات المرتبطة بالصفقات العمومية وعقود المناولة، التي تضطر إلى تمويل تنفيذ الطلبات مسبقا، قبل انتظار تحصيل مستحقاتها؛ ما يجعل استمرار نشاطها رهينا بانتظام التدفقات المالية وقدرتها على تدبير آجال الأداء.

هشاشة مالية ومخاطر التعثر المبكر

تظهر مؤشرات إحداث المقاولات بالمغرب تركزا لافتا للأنشطة الجديدة في قطاعات تتسم بحدة المنافسة ومحدودية هوامش الربح، إذ استحوذت التجارة على 27,2 في المائة من المقاولات المحدثة في شكل أشخاص معنويين خلال النصف الأول من السنة الجارية، متبوعة بالبناء والأشغال العمومية والأنشطة العقارية بنسبة 25,4 في المائة، ثم الخدمات المختلفة بحصة 20 في المائة، مقابل 6,3 في المائة فقط للصناعة التي تتطلب عادة استثمارات أكبر وتوفر إمكانات أوسع لإحداث القيمة المضافة ومناصب الشغل المستدامة.

وتعكس البنية القانونية للمقاولات الجديدة بدورها هشاشة محتملة في الرسملة وتوزيع المخاطر، بعدما استحوذت الشركات ذات المسؤولية المحدودة بشريك وحيد على 65,5 في المائة من تسجيلات الأشخاص المعنويين، بما يجعل استمرارية عدد مهم من المشاريع مرتبطة بالإمكانات المالية والتدبيرية لمؤسسيها. وتتزايد هذه المخاطر في الأنشطة التي تعتمد على عدد محدود من الزبناء أو ترتبط بدورات موسمية، حيث يؤدي تراجع الطلب أو تأخر استخلاص مستحقات تجارية إلى اختلال سريع في التوازنات المالية.

وتشير معطيات “إنفوريسك” إلى استمرار ارتفاع حالات عجز المقاولات خلال السنوات الأخيرة، على الرغم من تراجعها بنسبة 3,3 في المائة خلال 2025، بعد زيادات بلغت 18 في المائة سنة 2022، و13 في المائة سنة 2023، و11 في المائة سنة 2024. واستحوذت جهة الدار البيضاء-سطات وحدها على 4410 حالات عجز خلال السنة الماضية، بما يمثل حوالي 29 في المائة من المجموع الوطني؛ وهي الجهة نفسها التي تتصدر إحداث المقاولات الجديدة، بحصة تناهز 39,3 في المائة من الأشخاص المعنويين المسجلين خلال النصف الأول من 2026، ما يبرز تقاطعا بين كثافة الدينامية الاقتصادية وارتفاع مخاطر التعثر في المجال الجغرافي ذاته.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية القراءة المحاسبية والجبائية لمخاطر التعثر المبكر، خصوصا أن المقاولات الناشئة تواجه التزامات مالية تتجاوز مصاريف التأسيس والتجهيز؛ لتشمل أداء الضرائب والاشتراكات الاجتماعية والأجور ومستحقات الموردين، بصرف النظر عن انتظام تحصيل مداخيلها. ويؤدي غياب التخطيط المالي الدقيق إلى ظهور اختلالات في الخزينة، قد تتطور إلى صعوبات في الوفاء بالالتزامات القانونية والتعاقدية، حتى بالنسبة إلى المقاولات التي تحقق رقم معاملات متناميا.

وبهذا الخصوص، حذّر عبد الإله شناني، الخبير المحاسب والمستشار الضريبي المتخصص في تدبير المنازعات الجبائية، من تداعيات اختلال السيولة على انتظام التصريحات والأداءات الضريبية، والمخاطر التي تواجه المقاولات عند تراكم المتأخرات والجزاءات المالية.

وأوضح شناني، في تصريحات لهسبريس، أن هذا الجانب يطرح أهمية التمييز بين المقاولات التي تعاني صعوبات ظرفية في الخزينة وبين تلك التي تواجه اختلالات هيكلية في نموذجها الاقتصادي؛ بما يسمح بالتدخل المبكر قبل انتقال الصعوبات المالية إلى مرحلة العجز عن الأداء.

وأكد الخبير المحاسب والمستشار الضريبي المتخصص في تدبير المنازعات الجبائية أن مرصد آجال الأداء كشف عن استمرار الضغوط المرتبطة بتحصيل الديون التجارية، على الرغم من التحسن المسجل خلال السنوات الأخيرة، إذ تراجعت آجال تحصيل مستحقات الزبائن إلى متوسط 98 يوما من رقم المعاملات خلال 2024، بانخفاض قدره 27 يوما، مقابل تقلص آجال أداء الموردين إلى 70 يوما من المشتريات.

وشدد المتحدث عينه على أن هذه المؤشرات تظل مرتفعة بالنسبة إلى المقاولات محدودة الملاءة، التي تضطر إلى تحمل تكاليف التشغيل والتموين لفترات طويلة قبل تحصيل مستحقاتها.

وأضاف المستشار الضريبي أن هذه الوضعية تتفاقم عندما تتحول صعوبات السيولة إلى تأخر في أداء الالتزامات الجبائية والاجتماعية، بما قد يرفع الكلفة المالية للتعثر ويحد من قدرة المقاولة على استعادة توازنها. كما يطرح ضعف اللجوء إلى مساطر الوقاية والإنقاذ إشكالا إضافيا”.

وأشار شناني إلى أن معطيات سابقة لـ”إنفوريسك” أظهرت تسجيل 27 مسطرة إنقاذ فقط خلال 2022، مقابل هيمنة حالات التصفية والحل والتشطيب والتوقف عن النشاط على الملفات المرتبطة بعجز المقاولات.

التمويل والجباية يختبران استمرارية النشاط

تواجه المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة تحديات متزايدة في تعبئة الموارد المالية الضرورية لتجاوز مرحلة التأسيس والانتقال إلى النمو، على الرغم من استحواذها على الحصة الكبرى من النسيج المقاولاتي الخاص بالمغرب.

وتبرز صعوبة الولوج إلى القروض البنكية ضمن أبرز العوائق، خصوصا بالنسبة إلى المشاريع التي تفتقر إلى الضمانات الكافية أو لا تتوفر على تاريخ مالي ومحاسبي يسمح بتقييم قدرتها على السداد.

وتفيد مؤشرات بنك المغرب بأن متوسط أسعار الفائدة المطبقة على القروض الجديدة بلغ 5,22 في المائة بالنسبة إلى المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة خلال الفصل الأخير من 2025، مقابل 4,74 في المائة للمقاولات الكبرى؛ ما يعكس تفاوتا في تكلفة التمويل بين الفئتين. ويتزامن هذا الفارق مع اشتراط ضمانات شخصية وعينية في عدد من ملفات التمويل، الأمر الذي يدفع بعض أصحاب المشاريع إلى الاعتماد على مواردهم الذاتية أو تقليص استثماراتهم لتفادي ارتفاع المديونية.

وعلى الرغم من تعبئة آليات الضمان العمومي التي تدبرها مؤسسة “تمويلكم” لأكثر من 54 مليار درهم من القروض خلال السنة الماضية، عبر ما يفوق 84 ألف عقد ضمان، فإن احتياجات المقاولات الصغيرة إلى تمويل رأس المال العامل تظل مرتفعة، خصوصا في المراحل التي تعرف توسعا في النشاط.

وتستهدف خارطة الطريق الجديدة للمؤسسة، تحت اسم “جسور 2030″، بلوغ 435 ألف مستفيد في أفق نهاية العقد؛ بينهم 330 ألف مقاولة صغيرة جدا ومقاولة ذاتية، بما يعكس أهمية توسيع قاعدة الاستفادة من آليات التمويل والضمان.

وفي هذا الإطار، نبه محمد أمين بنرحمون، الخبير المحاسب المتخصص في السياسات الضريبية، إلى بروز البعد الجبائي ضمن المحددات الأساسية لاستمرارية المقاولات؛ بالنظر إلى تأثير الالتزامات الضريبية على تدبير الخزينة والقدرة على الاستثمار، متسائلا بشأن مدى ملاءمة المنظومة الجبائية الحالية لخصوصيات المقاولات حديثة التأسيس، خصوصا خلال السنوات التي تتسم بضعف المردودية وارتفاع المصاريف مقارنة بالمداخيل.

وأوضح بنرحمون، في تصريحات للجريدة، أن “هذه الزاوية تتصل أيضا بأهمية المواكبة المحاسبية والضريبية خلال المراحل الأولى من النشاط، إذ تواجه بعض المقاولات صعوبات في إعداد توقعات مالية دقيقة، وتدبير الضريبة على القيمة المضافة، وضبط النفقات القابلة للخصم، واحترام آجال التصريح والأداء. ويمكن أن يؤدي تراكم الاختلالات المحاسبية أو ضعف تتبع الالتزامات الجبائية إلى ظهور أعباء مالية إضافية، بما يفاقم هشاشة المقاولات التي تعاني أصلا من نقص السيولة”.

وشدد المتخصص في السياسات الضريبية على الحاجة إلى تطوير آليات مواكبة تتجاوز تبسيط إجراءات التأسيس، من خلال تمكين المقاولات الناشئة من أدوات للتخطيط المالي والجبائي، وتعزيز قدراتها على إعداد الحسابات السنوية وتتبع مؤشرات المردودية والسيولة.

وأشار المصرح ذاته إلى أهمية توسيع الاستفادة من خدمات الاستشارة المحاسبية والضريبية، خصوصا خلال السنوات الثلاث الأولى، باعتباره أحد المسارات الممكنة للحد من المخاطر المرتبطة بسوء تقدير الاحتياجات التمويلية والالتزامات المستقبلية.

وتشكل الصفقات العمومية وعقود المناولة مع المقاولات الكبرى اختبارا إضافيا لاستمرارية المشاريع الصغيرة، إذ يتطلب تنفيذها تعبئة موارد مالية مسبقة لتغطية المشتريات والأجور والمعدات، قبل تحصيل المستحقات المرتبطة بالأشغال أو الخدمات المنجزة. وعلى الرغم من تسجيل المؤسسات والمقاولات العمومية متوسط أجل أداء بلغ 32,5 أيام، مع نسبة امتثال ناهزت 92 في المائة، فإن التأخر في الأداء داخل سلاسل المناولة الخاصة يظل مصدر ضغط على المقاولات محدودة الموارد، خصوصا في قطاعي البناء والعقار.