في اكتشاف جديد قد يغير فهم العلماء للعلاقة بين المخ والجهاز التناسلي، توصل باحثون إلى مجموعة صغيرة جدًا من الخلايا العصبية داخل منطقة عميقة من المخ يبدو أنها تلعب دورًا أساسيًا في نجاح انغراس الجنين واستمرار الحمل لدى الفئران، وهو ما قد يفتح بابًا جديدًا لفهم بعض حالات فقدان الحمل غير المفسرة وفشل بعض محاولات الحقن المجهري.

وبحسب تقرير نشره موقع New Scientist ، اكتشف فريق بقيادة الباحث نيراو شاه من جامعة ستانفورد مجموعة غير معروفة سابقًا من الخلايا العصبية داخل منطقة تسمى تحت المهاد أمام البصرية Preoptic hypothalamus، وهي منطقة ترتبط أيضًا بتنظيم بعض السلوكيات الجنسية والأبوية.

خلايا نادرة.. لكن تأثيرها كبير

وجد الباحثون أن هذه الخلايا العصبية تمثل أقل من 0.001% من إجمالي خلايا المخ، لكنها شهدت تغيرًا هائلًا في نشاط الجينات عندما أصبحت الفئران حوامل لأول مرة.

ووفقًا لما ذكره New Scientist، تغيرت مستويات التعبير الجيني داخل هذه الخلايا بأكثر من 30 مرة أثناء الحمل، وتحولت الخلايا إلى حالة وظيفية مختلفة مع تقدم الحمل.

وتحمل هذه الخلايا مستقبلات لهرمونات مرتبطة بالحمل، ومنها البروجسترون، ما يشير إلى أنها قد تستجيب للتغيرات الهرمونية التي تحدث بعد الإخصاب.

ماذا يحدث إذا اختفت هذه الخلايا؟

كانت المفاجأة الأكبر عندما أزال الباحثون هذه المجموعة المحددة من الخلايا العصبية لدى إناث الفئران.

فقد تمكنت الفئران من التزاوج والحمل، لكن جميع حالات الحمل انتهت في مرحلة مبكرة، لأن الأجنة لم تتمكن من الانغراس بصورة صحيحة في بطانة الرحم.

ويشير ذلك إلى أن المخ لا يكتفي باستقبال التغيرات التي تحدث أثناء الحمل، وإنما قد يكون جزءًا من منظومة الإشارات التي تساعد الرحم على الاستعداد لاستقبال الجنين والحفاظ على الحمل.

هل يمكن أن يفسر ذلك بعض حالات الإجهاض؟

هنا تكمن أهمية الاكتشاف، لكن العلماء يحذرون من القفز إلى استنتاجات تخص البشر.

فحتى الآن، الدراسة أثبتت الدور المباشر لهذه الخلايا في الفئران، بينما وجد الباحثون أن مجموعة مشابهة من الخلايا موجودة أيضًا في أدمغة النساء من خلال تحليل بيانات سابقة عن التعبير الجيني في المخ البشري.

وجود هذه الخلايا لدى البشر لا يثبت أنها تؤدي الوظيفة نفسها، ولذلك يحتاج العلماء إلى دراسات إضافية لمعرفة كيفية اتصال هذه الخلايا بالرحم وما إذا كان الخلل في هذا المسار يمكن أن يرتبط فعلًا بفشل انغراس الأجنة أو فقدان الحمل لدى النساء.

 

باب جديد لأبحاث الحقن المجهري
 

وقد يكون لهذا الاكتشاف أهمية خاصة في حالات فشل بعض محاولات الإخصاب المساعد، عندما تكون الأجنة تبدو سليمة من الناحية الجينية ولكنها لا تنغرس في بطانة الرحم لأسباب لا يستطيع الأطباء تحديدها بسهولة.

وإذا أكدت الدراسات المستقبلية وجود آلية مشابهة لدى البشر، فقد يساعد ذلك في تطوير طرق جديدة لفهم انغراس الجنين وفقدان الحمل المتكرر، وربما استهداف الإشارات العصبية والهرمونية التي تربط المخ بالرحم.

لكن الباحثين لا يزالون بحاجة إلى معرفة السؤال الأهم: كيف تتواصل هذه الخلايا العصبية مع الرحم تحديدًا؟ وهل تنتج مواد أو إشارات تصل إلى الرحم وتساعده على استقبال الجنين، أم أنها تعمل من خلال تنظيم هرمونات أو مسارات عصبية أخرى؟

 

اكتشاف جديد للعلاقة بين المخ والخصوبة
 

ويأتي هذا البحث ضمن اتجاه علمي متزايد لدراسة الحمل باعتباره عملية لا تعتمد على الرحم والمبايض والهرمونات فقط، وإنما تتداخل فيها أيضًا إشارات الجهاز العصبي.

وأظهرت دراسة منشورة في Nature Communications ، تناولت التغيرات التي تحدث في المخ خلال مراحل مثل البلوغ والحمل وانقطاع الطمث، أن الحمل يرتبط بالفعل بتغيرات بنيوية في الدماغ، ما يدعم الاهتمام المتزايد بدراسة تأثير الحمل في المخ وتأثير المخ في وظائف التكاثر.

ومع ذلك، فإن اكتشاف الخلايا العصبية الجديدة لا يعني أن العلماء اكتشفوا «سبب الإجهاض» أو علاجًا جديدًا للعقم حتى الآن، وإنما يقدم مسارًا بحثيًا جديدًا قد يساعد مستقبلًا في فهم بعض الحالات التي لا تزال أسبابها غير واضحة.