ليس كل ما يخفى قبل الزواج مجرد تفاصيل عابرة، فهناك معلومات قد تكون حاسمة في قرار الإنسان بالارتباط من الأساس، وعندما يثبت أن أحد الزوجين تعمد إخفاء واقعة جوهرية كان من شأنها أن تغير موقف الطرف الآخر من الزواج، قد تنتقل المسألة من خلاف عائلي إلى نزاع قانوني حول صحة الرضا بالعقد وآثاره.
الحقيقة التي لو عرفت.. لما تم الزواج
التدليس قانونا عندما يكون هناك إخفاء أو استعمال وسائل احتيالية من شأنها التأثير في إرادة الطرف الآخر ودفعه إلى إبرام العقد، بحيث لا يكون رضاه قد صدر على بينة من حقيقة مؤثرة، لكن مجرد اكتشاف معلومة بعد الزواج لا يعني تلقائيا ثبوت التدليس، إذ يتعين بحث طبيعة الواقعة، ومدى جوهريتها، وما إذا كانت قد أثرت بالفعل في الرضا بالزواج.
ومن صور الوقائع التي قد تثار أمام القضاء إخفاء زواج سابق أو معلومات جوهرية مرتبطة بالحالة الاجتماعية أو وجود أبناء، متى ثبت أن الإخفاء كان متعمدا وأن الواقعة كانت مؤثرة في قبول الطرف الآخر للزواج.
الفسخ ليس طلاقا.. والتكييف القانوني هو كلمة الفصل
الطلاق يرد على زواج صحيح وينهي الرابطة الزوجية، بينما تثير دعاوى الفسخ مسألة وجود عيب أو سبب قانوني يؤثر في العقد أو في الرضا الذي قام عليه.
ولهذا لا يصح التعامل مع كل حالة غش على أنها فسخ تلقائي، كما لا يصح القول إن الفسخ لا يترتب عليه أي آثار للزواج، فالقضاء يبحث آثار العقد بحسب ظروف كل حالة، ومنها مسألة الدخول والحقوق المالية والنسب وغيرها من الآثار التي ينظمها القانون.
متى يكون التدليس مؤثرا في عقد الزواج؟
العبرة ليست بمجرد وجود معلومة لم تذكر، وإنما بمدى تأثيرها في إرادة الطرف الذي تمسك بالتدليس، فإذا ثبت أمام المحكمة أن الواقعة كانت جوهرية، وأن الطرف الآخر تعمد إخفاءها أو استخدم وسائل احتيالية لإتمام الزواج، وأن معرفة الحقيقة كانت ستؤثر في قرار الزواج، يصبح التدليس عنصرا أساسيا في النزاع، وتبحث المحكمة أثره القانوني وفقا لظروف الدعوى.
كيف ترفع الدعوى أمام محكمة الأسرة؟
تقام الدعوى أمام المحكمة المختصة بشؤون الأسرة، وتوضح صحيفة الدعوى الواقعة التي يستند إليها المدعي، وكيف تم إخفاؤها، ومتى اكتشفها، ولماذا يعتبرها جوهرية في رضاه بالزواج، ولا يكفي سرد الواقعة بصورة مجردة، إذ يحتاج المدعي إلى تقديم ما يستطيع من أدلة ومستندات وقرائن تكشف حقيقة الواقعة وصلتها بإبرام الزواج، ويخضع تقدير الأدلة ووزنها في النهاية للمحكمة، التي تفصل في مدى توافر السبب القانوني الذي تستند إليه الدعوى.
مستندات تساعد في إثبات الواقعة
صورة رسمية من وثيقة الزواج، المستندات الرسمية المتعلقة بالحالة الاجتماعية السابقة، شهادات الميلاد إذا كانت ذات صلة بالواقعة محل النزاع، الأحكام أو الوثائق الرسمية التي تثبت واقعة سابقة، المراسلات أو المستندات التي تكشف العلم بالحقيقة وإخفاءها، أي دليل آخر تقبله المحكمة وتراه مؤثر في النزاع.
هل يتحول التدليس إلى جريمة؟
هنا يجب الفصل بين أمرين التدليس كسبب مدني أو متعلق بصحة الرضا وآثار العقد، والجريمة الجنائية إذا ارتكب الشخص فعلا يجرمه قانون العقوبات، فإخفاء واقعة عن الطرف الآخر لا يعني بمفرده قيام جريمة جنائية، لكن إذا صاحب ذلك تزوير في محررات رسمية أو عرفية، أو استعمال محرر مزور مع العلم بتزويره، فقد تنشأ مسؤولية جنائية مستقلة وفقا لنصوص قانون العقوبات، بحسب طبيعة المحرر والفعل المرتكب.
كما يمكن أن تثار المسؤولية المدنية عن التعويض متى توافرت شروطها وثبت وقوع ضرر وعلاقة سببية بين الخطأ والضرر.


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر