سلط فاعلون مغاربة وأجانب، الخميس بمدينة مراكش، الضوء على تنامي مظاهر العزلة والإقصاء الاجتماعي نتيجة التحولات الديمغرافية والثقافية والتكنولوجية الراهنة التي يشهدها العالم، وما تفرزه من أجيال جديدة من الفقر والهشاشة.

وخلال الجلسة الافتتاحية للندوة الدولية التي نظمها المجلس العالمي للعمل الاجتماعي (ICSW) تحت عنوان “من الإقصاء إلى الانتماء: تقوية الممارسات الدامجة لتعزيز الروابط الاجتماعية”، شدد المتدخلون على أن مواجهة هذه الظواهر الاجتماعية تقتضي تجاوز المقاربات التقليدية، واعتماد سياسات عمومية أكثر استجابة للتحولات التي تعرفها المجتمعات، مع تعزيز الممارسات الدامجة وتوظيف التكنولوجيا الرقمية للحد منها، وضمان مشاركة مختلف الفئات في المجتمع، اجتماعيا واقتصاديا.

ظواهر مجتمعية

أكد سيرجي زيلينيف، رئيس المجلس العالمي للعمل الاجتماعي، أن المجلس سعى، منذ إحداثه، إلى المساهمة في تغيير الطريقة التي نفكر بها بشأن المشاكل والظواهر الاجتماعية المستجدة.

وأوضح زيلينيف، في كلمة افتتاحية، أن “المجلس حاول دائما طرح أسئلة أكثر جوهرية، تتعلق أساسا بما الذي يتغير في مجتمعاتنا، ولماذا لم تعد المقاربة والأساليب المعتمدة حاليا كافية، وكذا طبيعة الأشكال الجديدة للسياسة الاجتماعية والتنظيم الاجتماعي المطلوبة”.

وشدد المتحدث ذاته على أن “التصورات المطروحة حاليا ترمي إلى تطوير استراتيجيات سكنية متصلة للحد من العزلة والوحدة، فضلا عن النبش في كيفية الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية لمكافحة الإقصاء الاجتماعي”، معتبرا بالمناسبة أن “السياسات الاجتماعية صار من اللازم أن تكون عابرة للحدود”.

نحو سياسات عمومية جديدة

من جانبه، أكد إدريس الكراوي، نائب رئيس المجلس العالمي للعمل الاجتماعي، أن “العالم، وتحت تأثير أسباب متعددة، بصدد توليد أجيال جديدة من الفقراء والفقر، وأجيال جديدة من البطالة والعاطلين، وأخرى من الإقصاء والمقصيين، فضلا عن أجيال جديدة من الهشاشة والهشّين، باستثناء مناطق وبلدان نادرة جدا”.

وأوضح الكراوي، ضمن كلمة قدمها أمام الحاضرين، أن “هذه الظواهر الاجتماعية تتطور نتيجة تحولات غير مسبوقة في الهياكل الديموغرافية في الغرب وفي الجنوب الجديد، ونتيجة تغييرات عميقة في نماذجنا الاجتماعية وعلى رأسها الأسرة، مما يدفع بالتالي نحو الضياع الإنساني، وقبل كل شيء، عزلة أفراد ومجتمعات بأكملها، وذلك بوتيرة تذكرنا بالتحولات التي شهدتها الشعوب خلال القرن العشرين”.

ومن ضمن تداعيات هذا الجيل الجديد من الظواهر الاجتماعية، يقول المتحدث، “تبرز حتما مسألة عزلة واستبعاد الأفراد كأحد أكثر المظاهر لفتا للانتباه في مجتمعات القرن الحادي والعشرين”.

وأبرز الكراوي أن “هناك حاجة ملحة لمعالجة ظاهرة العزلة، وأسبابها وحجمها في مجتمعاتنا، ومعرفة أشكال التعبير الجديدة والمتعددة عنها، ومعرفة خصوصياتها في الغرب وفي الجنوب الجديد، ولكن أيضا وقبل كل شيء، معرفة آفاق التطور التي ستعرفها حتما نتيجة تأثير الدينامية الديموغرافية خلال السنوات المقبلة”.

وقال: “نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى تحسيس مجتمعاتنا حول ظاهرة العزلة قصد تبنيها كقضية مجتمعية، فضلا عن تحفيز الابتكارات والتجارب على مستوى المجتمعات المحلية وأراضيها، لتقديم حلول بديلة أكثر ملاءمة وأكثر تكيفا مع السياقات الاجتماعية المرتبطة بهذه التحولات الاجتماعية”.

وشدد المسؤول ذاته على “العمل قصد إعداد سياسات عمومية مخصصة لمكافحة جميع أشكال العزلة، بهدف تعزيز الانتماء للمجتمع، وبالتالي تعزيز الرابط الاجتماعي والتماسك في مجتمعاتنا”.

كما أكد أن هذه الفعالية تشكل فرصة سانحة من أجل التوقف عند تجارب 17 دولة تمثل جميع القارات، لتسليط الضوء على هذه الظاهرة الاجتماعية الجديدة، فضلا عن معرفة الفئات الاجتماعية التي تندرج ضمن هذا الجيل الجديد من الإقصاء الاجتماعي، في أفق البحث عن الممارسات الدامجة داخل مجتمعاتنا”.

وزاد: “سينبثق عن هذه الندوة الدولية إعلان مراكش للمجلس العالمي للعمل الاجتماعي، سوف يعالج أربع نقاط أساسية، هي: ماهية الظاهرة، أسبابها، أشكال التعبير عنها، ووتيرة تطورها، فضلا عن استشراف التطورات التي ستعرفها هذه الظاهرة الاجتماعية على المديين المتوسط والبعيد”.

تحد جديد أمام المجتمعات

عن المجلس العالمي ذاته، أفاد بشير تامر بأن “المجتمعات المعاصرة باتت تواجه تحديا أساسيا يتمثل في كيفية الحفاظ على العلاقات الإنسانية وتعزيزها في عالم يشهد تغيرات اجتماعية وديمغرافية وثقافية وتكنولوجية عميقة”.

وقال تامر، الذي يشغل منصب رئيس المجلس ذاته بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: “يشكل تجزّؤ الحياة الاجتماعية أحد الأمور التي تثير قلقا متزايدا في مجتمعاتنا؛ إذ إن التمدن السريع والهجرة، وتغير البنى الأسرية، والتحولات الديموغرافية تحاول إعادة تشكيل تفاعلات الأفراد بين بعضهم البعض”.

ولئن كانت التكنولوجيات الرقمية قد أوجدت فرصا جديدة للتواصل، فإن المتحدث يرى أنها “قد تؤدي أيضا إلى تعميق أشكال التفاوت القائمة، خصوصا عندما تكون فرص الوصول والمهارات الرقمية موزعة بشكل غير متكافئ”.

وشرح أن “قوة أي مجتمع لا يمكن قياسها فقط من خلال أدائه الاقتصادي، أو إنجازاته التقنية، أو كفاءة مؤسساته؛ بل يجب أيضا قياسها بجودة العلاقات التي تجمع بين أعضائه، وبقدرته على حماية الفئات المعرضة لمخاطر الإقصاء، وبالفرص التي يتيحها للجميع للمشاركة في الحياة العامة”.