في تاريخ المسرح المصري ، لا تختبئ الكنوز دائمًا داخل عناوين المسرحيات، بل أحيانًا تختبئ في إعلان صغير، أو سطر عابر في صحيفة قديمة، أو اسم فنانة لم يعد يتردد كثيرًا في الذاكرة المسرحية المعاصرة، ومن بين هذه الكنوز، عثرتُ على حكاية تبدأ بعنوان يبدو للوهلة الأولى وكأنه اسم مسرحية : الرجاء بعد اليأس، لكن المفاجأة أن «الرجاء بعد اليأس» لم تكن مسرحية واحدة، وإنما كانت عنوانًا لبرنامج مسرحي كامل قدمته فرقة الشيخ سلامة حجازي في «تياترو الأوبرا السلطانية»، وجمع في أسبوع واحد أربعة عروض مسرحية، في واحدة من الصفحات التي تكشف كيف كان المسرح المصري في بدايات القرن العشرين يصنع جمهوره، ويسوق عروضه، ويستعين بأسماء النجوم، ويعيد ترتيب خريطته الفنية من ليلة إلى أخرى.
ولعل أجمل ما في الحكاية أن الإعلان نفسه يبدو اليوم وكأنه رسالة وصلت إلينا من زمن آخر: روايات جديدة، تخفيض في الأسعار، تسهيل في الدفع، والتذاكر تطلب يوميًا من شباك الأوبرا، وأجزاخانة الغوري بميدان باب اللوق، وجريدة «المنبر» بشارع محمد علي.
هكذا كان المسرح يعيش خارج الخشبة أيضًا؛ في الصحيفة، وفي شباك التذاكر، وفي الصيدلية، وفي الشارع، وبين جمهور يعرف مواعيد عروضه ويتابع نجومه ويختار ليلته المسرحية كما نختار نحن اليوم فيلمًا أو عرضًا تلفزيونيًا.
وهنا تبدأ الحكاية.

الباحث والناقد جمال عبد الناصر علي
• الرجاء بعد اليأس .. أربعة عروض تحت اسم واحد
بين عامي 1905 و1916، واصلت فرقة سلامة حجازي حضورها في الحياة المسرحية المصرية، إلى أن جاءت مرحلة تعاون جمعت بين جوق سلامة حجازي وجورج أبيض، فالتقت أسماء وطاقات تمثل جانبًا مهمًا من مرحلة تأسيس المسرح المصري الحديث، أما البرنامج الذي حمل عنوان الرجاء بعد اليأس، فقد ضم أربعة عروض مختلفة، هي : أجاممنون، عن جان راسين، في صياغة عربية لنجيب الحداد، وإخراج سليمان الحداد، وشارك في تمثيلها سلامة حجازي وميليا ديان وألمظ إستاتي وعمر وصفي، ثم خوناتون من تأليف ميخائيل بشارة داود، و«قلب امرأة» من تأليف الأستاذ لطفي جمعة المحامي، و«مدام سانجين»بتعريب ميشيل أفندي مرزا.
ولم يكن الجانب الموسيقي هامشًا في هذه التجربة؛ فقد وضع الشيخ سلامة حجازي ألحان هذه العروض، بينما ترأس جوقة الألحان الموسيقار محمود أفندي رحمي، وبذلك لم يكن الجمهور أمام ليلة مسرحية واحدة، وإنما أمام بانوراما فنية تتجاور فيها الترجمة والتعريب والتأليف المحلي والموسيقى والتمثيل، وتلتقي فيها أسماء من أجيال مختلفة فوق خشبة واحدة.
لكن وراء هذه العروض حكاية أخرى أكثر إثارة؛ حكاية النساء اللاتي حملن على أكتافهن جزءًا كبيرًا من عبء التمثيل في زمن لم يكن الطريق فيه ممهدًا للمرأة المصرية كي تصبح ممثلة محترفة، وهنا تظهر ميليا ديان وألمظ إستاتي.
ميليا ديان.. «البريمادونا» التي صار اسمها ضمانًا للعرض
حين نتحدث عن ميليا ديان، فإننا لا نتحدث فقط عن ممثلة قديمة منسية في أرشيف المسرح، وإنما عن واحدة من الوجوه التي احتلت موقعًا متقدمًا في المشهد المسرحي المصري خلال العقود الأولى من القرن العشرين، وكانت ميليا ديان، السورية الأصل واليهودية الديانة، من الجيل الأول للفنانات الشوام اللواتي احترفن التمثيل في مصر، في زمن كان المسرح فيه هو المنبر الفني الأساسي أمام الجمهور، قبل أن تتسع الساحة للسينما والإذاعة ثم التلفزيون.
وقد عاصرت ميليا عددًا كبيرًا من الفنانات الرائدات اللواتي صنعن البدايات النسائية للمسرح العربي في مصر، من ملكة سرور وهيلانة بيطار ومريم سماط ووردة ميلان وماري صوفان ولبيبة مللي ومريم مللي، إلى أبريز إستاتي وألمظ إستاتي وإيزابيل إستاتي، وغيرهن من الفنانات الشوام والمتمصرات والمصريات اليهوديات، قبل أن يظهر جيل جديد من الممثلات المصريات، في مقدمتهن لطيفة عبد الله ومنيرة المهدية ودولت أبيض وزينب صدقي وفاطمة ورتيبة وأنصاف رشدي وأمينة رزق وزكية إبراهيم وعقيلة راتب.
ميليا ديان
كان المسرح في تلك الفترة يعتمد على هؤلاء الفنانات اعتمادًا أساسيًا، لأن الشخصية النسائية لم تكن تفصيلًا يمكن الاستغناء عنه، بل كانت ضرورة درامية وفنية، ولذلك أصبحت الممثلة القادرة على حمل الأدوار الكبيرة ثروة حقيقية للفرقة، وكانت ميليا واحدة من أهم هذه الثروات.
لقد ظلت لسنوات طويلة الممثلة الأولى في فرقة الشيخ سلامة حجازي، حتى أصبحت من أشهر «البريمادونات» في عصرها، ووُصفت بأنها من أبرز الممثلات التراجيديات، ولعل أكثر ما يكشف مكانتها آنذاك هو الحديث عن أجرها، فقد وصلت قيمة ما كانت تتقاضاه من فرقة عبد الرحمن رشدي إلى عشرين جنيهًا شهريًا، وهو رقم يكشف وحده مقدار المكانة التي وصلت إليها الفنانة في سوق العمل المسرحي آنذاك، ويعطينا صورة عن الفارق بين أجر الممثلة العادية وأجر النجمة التي أصبح اسمها جزءًا من قيمة العرض نفسه.
لم تبدأ ميليا ديان نجمة مثل معظم الفنانات الجديدات، بدأت بالأدوار الصغيرة في جوق إسكندر فرح، ثم أخذ نجمها في الصعود تدريجيًا، خصوصًا بعد اعتزال الفنانة لبيبة مللي، التي كانت في ذلك الوقت واحدة من أبرز الممثلات، وهنا بدأت موهبة ميليا تظهر بصورة أوضح أمام الجمهور، فلفتت الأنظار بقدرتها الطبيعية على الأداء، وأصبحت الأدوار الكبيرة تفتح لها أبوابها.
ثم جاءت مرحلة أخرى أكثر أهمية مع الشيخ سلامة حجازي، بعد افتراق سلامة حجازي عن فرقة إسكندر فرح وتأسيسه جوقه الخاص، وانتقاله بين مسارح مختلفة، كان لميليا حضور واضح في تجربته الفنية.
لكن مسيرتها لم تسر في خط مستقيم، فقد أصيب الشيخ سلامة حجازي بالشلل، وابتعدت ميليا عن المسرح فترة، ثم انضمت إلى «شركة التمثيل العربي» في تياترو عبد العزيز، وشاركت في أعمال مهمة، من بينها «شهداء الوطنية»، حيث أثبتت مرة أخرى أنها لم تكن مجرد نجمة جماهيرية، وإنما ممثلة تستطيع حمل الدور الدرامي الثقيل، وبعد ذلك جاءت عودتها إلى فرقة سلامة حجازي بعد افتراقه عن جورج أبيض، لتصبح عودتها نفسها حدثًا مسرحيًا تتناقله الألسن.
لم تكن عودة ممثلة عادية إلى الخشبة؛ كانت عودة واحدة من «ذخائر الفن» كما وصفتها الكتابات الصحفية في ذلك العصر، ومن أكثر ما يستحق التوقف في سيرة ميليا ديان علاقتها الفنية بالشيخ سلامة حجازي.
فقد ظلت حريصة على المشاركة في عروض فرقته حتى وفاته عام 1917، رغم انتقالها في مراحل مختلفة بين فرق وتجارب أخرى.
وهنا تتجاوز العلاقة مجرد التعاون الفني؛ إذ تكشف عن شكل من أشكال الوفاء بين الفنان والفرقة والأستاذ والتلميذة، وهو أمر كان له وزن خاص في المسرح القديم، حيث لم تكن الفرق مجرد شركات إنتاج بالمعنى الحديث، وإنما كانت مدارس فنية وعلاقات إنسانية طويلة المدى، وقد تعاونت ميليا خلال مسيرتها مع أسماء كبيرة من جيل الريادة، من إسكندر فرح وسلامة حجازي وجورج أبيض وعزيز عيد وعبد الرحمن رشدي، إلى عبد العزيز خليل وزكي طليمات وعمر سري وعمر وصفي، كما وقفت على الخشبة إلى جوار عدد كبير من كبار الممثلين والمسرحيين، وهو ما يجعل سيرتها أشبه بخريطة بشرية للمسرح المصري في النصف الأول من القرن العشرين.
لكن قيمة ميليا لا تظهر فقط في كثرة الفرق التي عملت معها أو أسماء الفنانين الذين شاركتهم البطولة، وإنما في أثرها على الجمهور، ففي مرحلة لاحقة من مسيرتها، وقفت إلى جوار المسرحي الكبير عبد الرحمن رشدي، وكانت عودتها إلى المسرح حدثًا لافتًا، خصوصًا أنها انضمت إلى فرقة ارتبط نشاطها بتقديم الأعمال المسرحية ذات القيمة الفنية.
وقدمت ميليا دور فردناند في مسرحية «العرائس»، وأثبتت قدرتها على تجسيد الشخصية، ثم واصلت اختيار الأعمال التي ترى فيها مساحة حقيقية للتمثيل، ومن بينها مسرحية «جاكلين» التي قدمتها الفرقة في دار الأوبرا، وهنا نجد واحدة من الشهادات التي تكشف لنا لماذا كانت ميليا تُعامل باعتبارها نجمة استثنائية، ففي الفصل الأول من المسرحية، بلغ أداؤها من التأثير أن اندفع الجمهور إلى التصفيق لها في منتصف الفصل، واستمر التصفيق خمس دقائق كاملة.
في المسرح الحي، لا توجد مؤثرات يمكنها إنقاذ الممثل، ولا مونتاج يخفي لحظة ضعف، ولا إعادة للمشهد، فهناك ممثلة وجمهور فقط، وحين يقطع الجمهور العرض بالتصفيق، فإن الخشبة تكون قد انتقلت للحظات من سلطة النص إلى سلطة الأداء، وهذا ربما يكون واحدًا من أصدق المقاييس التي يمكن أن نقرأ بها مكانة ميليا ديان.
ألمظ إستاتي.. امرأة في مواجهة فراغ الخشبة
وإذا كانت ميليا تمثل نموذج «البريمادونا» التي وصلت إلى قمة النجومية والأجر والشهرة، فإن ألمظ إستاتي تمثل حكاية أخرى لا تقل أهمية، فكانت ألمظ واحدة من الفنانات الرائدات في الجيل الأول للمسرح العربي والمصري في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وتنتمي إلى مجموعة الفنانات الشوام اللواتي جئن إلى مصر وشاركن في تأسيس الحركة المسرحية العربية، وكان وجود هؤلاء الفنانات مرتبطًا بظرف اجتماعي وفني شديد التعقيد؛ فالمسرح كان يحتاج إلى ممثلات لتجسيد الشخصيات النسائية، بينما كانت مشاركة المرأة المصرية في التمثيل تواجه قيودًا اجتماعية واضحة.
وهكذا وجدت الفرق المسرحية نفسها في حاجة إلى فنانات قادرات على ملء هذا الفراغ، وكانت ألمظ واحدة من هؤلاء، وقد عملت مع شقيقتيها أبريز إستاتي وإيزابيل إستاتي ضمن فرقة المسرحي الرائد سليمان القرداحي، الذي كان أحد المنافسين البارزين لأبي خليل القباني.
وهذه المعلومة وحدها تكشف لنا جانبًا مهمًا من تاريخ المسرح: أن ظهور المرأة على الخشبة المصرية لم يكن حدثًا منفصلًا، بل جاء في سياق حركة واسعة شاركت فيها فنانات من أصول متعددة، ومهدت الطريق فيما بعد أمام ظهور أجيال من الممثلات المصريات.
من الصعب اليوم أن نتخيل شكل المسرح المصري لو لم تكن هناك تلك المجموعة الأولى من الفنانات اللاتي اقتحمن الخشبة في وقت مبكر، وكانت فرق سليمان القرداحي، وسليمان الحداد، وإسكندر فرح، وسلامة حجازي، وجورج أبيض، وفرق أبيض وحجازي، والأوبريت الشرقي لمصطفى أمين، وعزيز عيد، وعبد الرحمن رشدي، وعمر وصفي، وغيرها، تعتمد في عروضها على جيل من الفنانات اللاتي كن يحملن مسؤولية تجسيد الشخصيات النسائية في ظروف لم تكن سهلة.
ومن هذه السلسلة الطويلة يمكن أن نرى أسماء ميليا ديان، وألمظ إستاتي، وأبريز إستاتي، وإيزابيل إستاتي، ومريم سماط، ووردة ميلان، وماري صوفان، ولبيبة مللي، ومريم مللي، وماري كفوري، وإستر شطاح، ونظلة مزراحي، وجراسيا قاصين، وصلحة قاصين، وفيكتوريا موسى، وغيرهن.
ثم جاءت أجيال جديدة من الفنانات المصريات، فأصبحت الطريق أقل وعورة، وظهرت أسماء مثل منيرة المهدية ودولت أبيض وزينب صدقي وأمينة رزق وزكية إبراهيم وغيرها، لكن الفضل في فتح الباب لا يمكن أن يُقرأ بمعزل عن الرائدات الأوائل.
وهنا تعود بنا الحكاية إلى عنوانها الأول: الرجاء بعد اليأس.. فالعنوان الذي يبدو كأنه اسم مسرحية، يقودنا في الحقيقة إلى أربعة عروض، ثم إلى سلامة حجازي، ثم إلى جورج أبيض، ثم إلى نجيب الحداد وسليمان الحداد، ثم إلى الموسيقى ومحمود رحمي، ثم يفتح لنا بابًا كاملًا على تاريخ الممثلة العربية في مصر، وهذا هو ما يجعل البحث في تاريخ المسرح القديم مغامرة لا تنتهي، فأحيانًا نبدأ من عنوان صغير في إعلان قديم، فنكتشف وراءه فرقة كاملة، ووراء الفرقة جيلًا من الفنانين، ووراء الفنانين حكاية اجتماعية كاملة عن الجمهور والنجومية والأجور والمرأة والعمل والفن.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة قراءة أرشيف المسرح المصري، لا باعتباره مقبرة لأسماء مضت، وإنما باعتباره ذاكرة حية تكشف كيف تشكلت المهنة، وكيف صُنعت النجومية، وكيف انتقلت الخشبة المصرية من مرحلة إلى أخرى، وما يلفتني، بوصفي باحثًا في تاريخ المسرح المصري، أن بعض هذه الأسماء لا تزال حاضرة في الأوراق أكثر مما هي حاضرة في الذاكرة العامة، ولذلك فإن مهمة «كنوز المسرح المصري» ليست أن تقول إننا نعرف كل شيء، وإنما أن تسأل: كم حكاية ما زالت مختبئة في الصحف القديمة؟ وكم نجمة عبرت الخشبة وصفق لها الجمهور ثم تركها الزمن خلف الستار؟
ميليا ديان كانت يومًا «البريمادونا»، وألمظ إستاتي كانت واحدة من النساء اللواتي سدَّدن فراغًا حقيقيًا في المسرح المصري، وسلامة حجازي كان يصنع ألحان عروضه، وجورج أبيض يقف إلى جوار جيل من الرواد، والجمهور يشتري تذكرته من شباك الأوبرا أو من «أجزاخانة الغوري» أو من جريدة في شارع محمد علي.
ثم أُسدل الستار.. لكن الستار لا يعني نهاية الحكاية.. ففي أرشيف المسرح المصري، ما زالت هناك حكايات تنتظر من يزيح عنها الغبار، ويعيدها إلى الضوء.. وهذه واحدة منها.


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر