يترقب كثيرون بمزيد من الحذر والقلق ما ستتمخض عنه الأيام المقبلة منذ طلب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عقد جلسة برلمانية طارئة لتفويض الجيش بالمساعدة في الدفاع عن السعودية إذا طلبت الأخيرة ذلك.
وشنّ الحوثيون في الأيام القليلة الماضية هجمات على مطار الملك خالد الدولي بالرياض وعلى شركة النفط الحكومية السعودية "أرامكو"وسط تجدد القتال مع القوات المدعومة من السعودية. وتهدد مكاسب الحوثيين طريق شحن النفط الاستراتيجي في باب المندب بعد انهيار الهدنة.
وذكرت الرئاسة في بيان أن مجلس الدفاع الوطني قرر خلال اجتماع ترأسه السيسي "تقديم كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة للمملكة العربية السعودية الشقيقة للدفاع عن أمنها واستقرارها، وصون مقدراتها وسلامة أراضيها والمقدسات الإسلامية".
وأثار الأمر تساؤلات كثيرة حيال طبيعة الدور العسكري الذي قد تقوم به مصر في حال طلبت حليفتها الخليجية ذلك.
وفي ذلك، يوضح خبير شؤون الأمن القومي اللواء محمد عبد الواحد، قائلا إن "الرئيس السيسي وضع حدودا سياسية للمشاركة وهي الدفاع فقط عن السعودية وليس الهجوم أو بدء حرب على أي أطراف أخرى".
وأضاف في مقابلة مع DW عربية أن هذه "الصيغة تحمل رسالتين متوازيتين: الأولى موجهة إلى الحوثيين وإيران، ومفادها أن استمرار استهداف الأراضي السعودية قد يؤدي إلى تدخل أطراف عربية إضافية ويرفع الكلفة عليهم".
وتابع: "أما الرسالة الثانية فهي أيضا موجهة بالخصوص إلى طهران، ومفادها أنه لا يزال بالإمكان حصر المواجهة في إطار دفاعي وتجنب حرب أوسع".
ونفت إيران أي صلة لها بالهجمات التي يشنها الحوثيون على السعودية، بعدما اتهمتها الرياض بدعم الجماعة وتشجيعها على التصعيد.
تعاون عسكري وليس "تدخلا بريا"
ويرجح خبراء تحدثوا لـ DW عربية أن يقتصر الدور المصري على أشكال متعددة من الدعم الدفاعي والعسكري مع استبعاد واسع لاحتمال إرسال قوات برية للقتال داخل اليمن.
وفي هذا السياق، قال الخبير العسكري المصري محمد عبد الواحد إن شكل التعاون العسكري المتوقع "ليس تدخلا بريّاً في اليمن، لأن التدخل البري في اليمن أمر لا تستطيع مصر القيام به إلا بطلب من الحكومة اليمنية".
وأضاف أنه يمكن "نشر أنظمة دفاع جوي لاعتراض الصواريخ والمسيرات أو تعزيز الوجود البحري في البحر الأحمر من خلال دوريات مشتركة لحماية الملاحة وقناة السويس، لكنها ستكون بعيدة عن باب المندب حتى لا تُستهدف بالمسيرات أو الصواريخ الحوثية، فضلا عن الدعم الاستخباراتي والتنسيق العملياتي واللوجستي".
وقال إن الأمر يمكن أن يشمل "تبادل بيانات الرصد وتنسيق صور المجال الجوي وتحليل البيانات وحتى المساعدة في تدريب بعض قوات الحكومية اليمنية. يمكن القول إن أشكال الدعم الدفاعي كثيرة للغاية، لكنها لا ترقى إلى مستوى التدخل البري".
وسبق أن انضمت مصر إلى التحالف بقيادة السعودية لدعم الحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين، لكنها لم تضطلع إلا بدور محدود.
ويرجح الخبير حسين بيومي، المحلل المستقل في الاقتصاد والسياسة الخارجية لمنطقة الشرق الأوسط ببروكسل، أن تواصل القاهرة التمييز بين دعم أمن السعودية والدفاع عنه، وبين "الانخراط المباشر في حرب مفتوحة داخل اليمن".
أخطار محتملة
وقالت رويترز إنه إذا تدخلت مصر، فقد تواجه هجمات من الحوثيين الذين تهدد صواريخهم وطائراتهم المسيرة المنطقة، بينما رأت صحيفة نيويورك تايمز أن أي دعم عسكري مصري للسعودية قد يزيد من احتمالات اتساع الصراع إقليميا.
ومن جانبه، حذر رئيس مجلس النواب في صنعاء يحيى الراعي، المتحالف مع الحوثيين، من أن انخراط مصر في الصراع قد يشكل "خطرا على أمنها القومي"، في حين أشاد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بالموقف المصري ووصفه "بالشجاع".
وتعرض ميناء دمياط المصري على البحر المتوسط لهجوم بطائرة مسيرة في يوليو/تموز الماضي، ولم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عنه. ولم تتهم مصر أي طرف بالهجوم، لكنها قالت إنها تتخذ الإجراءات اللازمة لحماية الأمن القومي للبلاد.
وقال الدكتور داوود الأنصاري، الخبير في شؤون الطاقة والخليج ورئيس "مركز شاهين" وهو مركز فكري خليجي مقره مسقط، إن مخاطر التدخل العسكري المصري تكمن "في احتمال الرد الحوثي باستهداف المصالح المصرية والملاحة في البحر الأحمر".
وأضاف في مقابلة مع DW عربية: "قد يشمل ذلك أيضا خطر الانجرار إلى مواجهة طويلة ومكلفة يصعب حسمها".
وتعرضت دول عربية، لا سيما دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية، لهجمات متكررة من إيرانوحلفائها، ومنهم الحوثيون وميليشيات موالية لإيران في العراق، خلال الصراع.
من جانبه، قال الخبير في الأمن القومي المصري محمد عبد الواحد إن مصر، رغم امتلاكها لـ "خبرة مؤسسية" في العمليات الجوية والبحرية والبرية ولديها قدرات على تشغيل تشكيلات متنوعة من الطائرات والسفن، إلا أنها سوف تواجه في النهاية "حربا غير متماثلة، حربا بالصواريخ والمسيرات منخفضة التكلفة، إلى جانب تهور حوثي".
مكاسب جيوسياسية، ولكن؟
في المقابل، لا تخلو المشاركة المحتملة من حسابات استراتيجية تخص المصالح المصرية المباشرة.
ووسع الحوثيون مؤخرا، عقب هجوم سريع وواسع النطاق، مناطق سيطرتهم على كامل الساحل الغربي وصولا إلى باب المندب الذي يربط بين المحيط الهندي والبحر الأحمر، وبالتالي بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس ذات الأهمية الاستراتيجية لمصر.
وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد صرح الأسبوع الماضي بأن العوائد التي خسرتها مصر جراء تراجع حركة الملاحة في قناة السويس بلغت 11 مليار دولار.
وفي ذلك، قال داوود الأنصاري، الخبير في شؤون الطاقة والخليج، إن "لمصر مصلحة استراتيجية واقتصادية مباشرة في أمن البحر الأحمر، خصوصاً أن قناة السويس مصدر رئيسي لإيراداتها".
وأضاف في مقابلته مع DW عربية أن "التدخل العسكري يمكن أن يضعف الحوثيين مؤقتا ويغير موازين القوى وشروط التفاوض. ورغم صعوبة تصور حل عسكري شامل للأزمة، فقد يكون التدخل ضروريا لتحقيق تقدم في المفاوضات السياسية".
"أزمة مقلقة"
في غضون ذلك، أطلق الأزهر الشريف مبادرة تتمثل في دعوة عاجلة لتشكيل لجنة وساطة وتهدئة تضم "حكماء وعقلاء" الأمتين العربية والإسلامية.
وجاءت هذه المبادرة عبر نداء وجهه شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، "انطلاقا من المسؤولية التاريخية والشرعية للمؤسسة تجاه قضايا الأمة".
وتشنّ السعودية ضربات جوية يومية على مناطق سيطرة الحوثيين، في وقت تسعى القوات الحكومية إلى استعادة المناطق التي سيطروا عليها خلال هجوم خاطف في أيلول/سبتمبر. ولم تحقق القوات الحكومية نجاحا كبيرا حتى الآن.
ودفع النزاع في اليمن أكثر من مئتي ألف شخص إلى النزوح، بحسب المنظمة الدولية للهجرة، غالبيتهم العظمى منذ الأول من أيلول/سبتمبر الماضي. وتعتبر المنظمة أن "وتيرة هذه الأزمة مقلقة" في ظل نقص تمويل الاستجابة للاحتياجات الإنسانية.
تحرير: وفاق بنكيران


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر