في واحدة من أغرب القصص العلمية المرتبطة بأبحاث الشيخوخة، ارتبط اسم العالم الروسي أناتولي بروشكوف Anatoli Brouchkov ببكتيريا عاشت مدفونة في التربة الصقيعية القديمة في سيبيريا لملايين السنين، بعدما اتجه إلى دراسة قدرتها الاستثنائية على البقاء، ثم تحدث عن تجربة شخصية استخدم فيها مستحضرًا مرتبطًا بهذه البكتيريا على نفسه، بحثًا عن تأثيرات محتملة على الصحة وطول العمر.

وتعود القصة إلى سلالة بكتيرية أطلق عليها الباحثون Bacillus cereus strain F، جرى عزلها من عينة من التربة الصقيعية في منطقة ماموث ماونتن بوسط ياقوتيا في سيبيريا، وقد قُدّر عمر التربة التي عُزلت منها بنحو 3 ملايين سنة. ونشر بروشكوف وزملاؤه التسلسل الجينومي للسلالة عام 2013 في مجلة Genome Announcements، مؤكدين قدرتها على البقاء في بيئة شديدة البرودة ومحدودة الموارد لفترة زمنية هائلة.

لماذا اهتم العلماء بهذه البكتيريا؟

الفكرة التي أثارت اهتمام الباحثين لم تكن أن البكتيريا «تمنح الشباب»، وإنما قدرتها غير العادية على البقاء في بيئة قاسية للغاية لآلاف أو ملايين السنين.

وفي دراسة مبكرة منشورة على PubMed، اختبر الباحثون السلالة في نماذج حيوانية، بينها ذباب الفاكهة والفئران، وذكروا ملاحظات مرتبطة بتنشيط المناعة وتحسن بعض المؤشرات الجسدية، وهو ما دفعهم إلى طرح إمكانية دراسة هذه الكائنات القديمة في أبحاث الشيخوخة. لكن هذه النتائج كانت في الحيوانات وليست دليلًا على فائدة مماثلة عند الإنسان.

ماذا فعل بروشكوف ؟
 

اشتهر بروشكوف بعد حديثه لوسائل إعلام عن تجربة شخصية قال فيها إنه استخدم مستحضرًا مرتبطًا بالبكتيريا القديمة على نفسه، وذكر أنه لاحظ تحسنًا في حالته وقدرته على العمل، وادعى أنه لم يُصب بالأنفلونزا لفترة بعد التجربة.

لكن هذه الملاحظات تظل تجربة شخصية غير خاضعة لضوابط التجارب السريرية، ولا يمكن استخدامها لإثبات أن البكتيريا تمنع الأنفلونزا أو تطيل العمر أو تجعل الإنسان أصغر سنًا.

وهنا يجب التفريق بين قصة العالم وتجربته الشخصية وبين الدليل العلمي، فغياب المرض أو الشعور بتحسن بعد استخدام مادة ما لا يثبت أن المادة هي السبب، خصوصًا من دون مجموعة مقارنة أو قياسات قبل وبعد أو تجربة سريرية منظمة.

دراسة أحدث تعيد فتح ملف «بكتيريا طول العمر»
 

وفي نوفمبر 2024، نشر بروشكوف وزملاؤه دراسة في Advanced Gut & Microbiome Research بحثت تأثير مستخلصات خلايا Bacillus sp. F على خلايا دم مأخوذة من فئران.

واللافت أن الباحثين وجدوا أن مستخلصات البكتيريا خفضت تلف الـDNA الناتج عن التعرض لبيروكسيد الهيدروجين في خلايا الدم البيضاء للفئران خارج الجسم. وفي بعض ظروف التجربة، كان مستوى تلف الـDNA أقل بنحو 40% مقارنة بالمجموعة الضابطة، مع اختلاف التأثير بحسب طريقة تحضير المستخلص ودرجة الحرارة.

لكن الدراسة لم تكن تجربة على البشر، ولم تثبت أن تناول أو حقن هذه البكتيريا أو مستخلصاتها يمكن أن يطيل عمر الإنسان أو يمنع الشيخوخة أو يعالج الأمراض.

بل إن الباحثين أنفسهم أشاروا إلى أن آلية هذا التأثير الوقائي على الـDNA ما زالت غير واضحة وتحتاج إلى مزيد من البحث.

هل يمكن اعتبارها «بكتيريا سر الخلود»؟
 

حتى الآن، لا يوجد دليل سريري يسمح بوصفها بهذه الطريقة.

المثير علميًا في القصة هو قدرة الكائنات الدقيقة الموجودة في التربة الصقيعية القديمة على البقاء في ظروف قاسية، وما قد تكشفه هذه الكائنات عن آليات مقاومة الإجهاد وتلف الخلايا.

أما الانتقال من هذه النتائج إلى القول إن البكتيريا تطيل عمر الإنسان أو تمنع الشيخوخة فهو قفزة علمية لا تدعمها الأدلة الحالية.

وتظل تجربة بروشكوف الشخصية واحدة من أغرب فصول هذه القصة، لكنها لا تمثل علاجًا مثبتًا ولا توصية طبية، ولا ينبغي لأي شخص محاولة تكرارها أو حقن نفسه بأي بكتيريا أو مستحضر غير معتمد.