كشفت دراسة علمية حديثة عن تغير جيني قد يساعد مستقبلًا في اكتشاف بعض التغيرات المرتبطة بالسرطان لدى الرجال في مراحل مبكرة، بعدما وجد الباحثون أن فقدان كروموسوم Y لا يظهر فقط داخل الخلايا السرطانية، وإنما يمكن رصده أيضًا في أنسجة تبدو طبيعية تحت المجهر بجوار الأورام.
ووفقًا لما نشره موقع Futurity نقلًا عن باحثين في مركز السرطان بجامعة أريزونا، فإن فقدان كروموسوم Y في بعض خلايا أنسجة الرجال قد يمثل جزءًا من منطقة جينية مهيئة لظهور السرطان، وهو ما يفتح الباب أمام استخدام هذا التغير مستقبلًا كعلامة تساعد الأطباء في الاشتباه بوجود تحولات سرطانية مبكرة.
ونشرت الدراسة الأصلية في مجلة JCI Insight في 8 سبتمبر 2026، وحملت عنوانًا يشير إلى وجود تغير تدريجي في فقدان كروموسوم Y من الأنسجة الطبيعية إلى الأنسجة السرطانية. وحلل الباحثون 1000 عينة نسيجية من 405 رجال، شملت 11 عضوًا مختلفًا، واستخدموا تقنية متخصصة للكشف عن كروموسومي X وY داخل ملايين الخلايا.
ويحمل معظم الرجال كروموسوم X وكروموسوم Y داخل خلايا الجسم، لكن بعض الخلايا يمكن أن تفقد كروموسوم Y مع مرور الوقت، وهي ظاهرة تعرف باسم الفقد الفسيفسائي لكروموسوم Y، أو Mosaic Loss of Y chromosome.
وتعد هذه الظاهرة من التغيرات الجينية المرتبطة بالتقدم في العمر لدى الرجال، وقد ارتبطت في أبحاث سابقة بزيادة مخاطر الإصابة بعدد من الأمراض، إلا أن الدراسة الجديدة حاولت معرفة ما إذا كان فقدان كروموسوم Y يحدث أيضًا في الأنسجة المحيطة بالأورام قبل أن تصبح سرطانية بشكل واضح.
وأظهرت النتائج وجود تدرج واضح في فقدان كروموسوم Y؛ فكانت نسبة الفقد أقل في الأنسجة الطبيعية لدى الرجال الذين لا يعانون من السرطان، ثم زادت في الأنسجة التي تبدو طبيعية لكنها تقع بجوار الورم، وكانت أعلى داخل الأنسجة السرطانية نفسها.
وظهر هذا النمط بشكل واضح عند دراسة أنسجة سرطان المثانة، حيث تمكن الباحثون من تتبع زيادة فقدان كروموسوم Y من الأنسجة الطبيعية، مرورًا بالتغيرات قبل السرطانية، وصولًا إلى السرطان الغازي. كما كانت مستويات فقدان كروموسوم Y مرتفعة بشكل خاص في بعض أنواع السرطان، ومنها سرطانات القولون والمستقيم والمريء والبنكرياس والرئة.
وقال دان ثيودوريسكو، الباحث الرئيسي بالدراسة والمدير العلمي لمركز السرطان بجامعة أريزونا، إن وجود فقدان كروموسوم Y في أنسجة تبدو طبيعية بجوار الورم قد يمثل إحدى العلامات المبكرة التي تشير إلى أن النسيج أصبح أكثر عرضة للتحول السرطاني.
ويطلق الباحثون على هذه الظاهرة مفهوم «تأثير مجال ما قبل السرطان»، ويقصد به وجود منطقة من الخلايا تبدو طبيعية عند الفحص التقليدي، لكنها تحمل تغيرات جينية تجعلها أكثر ارتباطًا بالبيئة التي ينشأ فيها الورم.
وقد يكون لهذه النتائج أهمية مستقبلية في تشخيص السرطان، خاصة أن بعض العينات التي يحصل عليها الأطباء أثناء الخزعات قد لا تحتوي على الورم نفسه أو قد تفوّت مناطق صغيرة منه. ويرى الباحثون أن اكتشاف تغيرات مثل فقدان كروموسوم Y في الأنسجة المحيطة قد يساعد يومًا ما في تحديد الحالات التي تحتاج إلى فحص أكثر دقة.
لكن الدراسة لا تعني أن أي رجل يفقد جزءًا من كروموسوم Y مصاب بالسرطان أو سيصاب به حتمًا. كما أن الباحثين لم يثبتوا أن فقدان كروموسوم Y هو السبب المباشر لنشأة السرطان، إذ لا تزال هناك حاجة إلى دراسات إضافية لمعرفة ما إذا كان فقدان الكروموسوم يساهم في بدء التحول السرطاني، أم أن البيئة المرتبطة بالورم تساعد بدورها على ظهور هذه الخلايا.
وتشير النتائج في النهاية إلى أن التغيرات الجينية التي تحدث في الأنسجة التي تبدو طبيعية قد تحمل معلومات مهمة عن المراحل المبكرة للسرطان، وقد تساهم مستقبلًا في تطوير طرق أكثر دقة لاكتشاف التغيرات السرطانية قبل ظهور الورم بصورة واضحة.


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر