تواجه الرياضة السعودية اختبارا جديدا مع تصاعد التوترات الإقليمية، اذ أثارت مجموعة من القرارات المتعلقة بالفعاليات الرياضية في السعودية، خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري، طرح أسئلة بشأن مدى تأثر المشروع الرياضي السعودي بالصراع الإقليمي الراهن، وما إذا كانت المخاطر الأمنية ستدفع نحو إعادة ترتيب الأولويات، في وقت تسعى فيه المملكة إلى ترسيخ مكانتها كوجهة رئيسية للرياضة العالمية، وهي في معمعة التحضيرات لاحتضان كأس العالم لكرة القدم 2034.



بطولات مؤجلة وتوضيحات متفاوتة
 


شهدت الأجندة الرياضية السعودية خلال أكتوبر سلسلة من التغييرات التي طالت فعاليات دولية، ففي نهاية الأسبوع الماضي أعلن تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه السعودية، تأجيل بطولة التنس العالمية "Six Kings Slam" ، المعروفة باسم "الملوك الستة" والتي تتميز البطولة بطابعها الاستعراضي ، إلى ديسمبر 2026 بدلا من موعدها الذي كان مقررا خلال أكتوبر الجاري، وذلك على خلفية تصاعد هجمات الحوثيينعلى عدد من المدن السعودية.
وكانت قائمة المشاركين المعلنة قبل تأجيل النسخة الثالثة تضم الإسباني كارلوس ألكاراز، والصربي نوفاك ديوكوفيتش، والألماني ألكسندر زفيريف.
كما أُجلت بطولة PIF السعودية الدولية للغولف، والتي كانت مقررة في الرياض بين 18 و21 نوفمبر، كما أعلن الاتحاد الدولي للدراجات عدم إقامة بطولة العالم للدراجات الحضرية التي كان مقررا تنظيمها في الرياض بين 3 و7 نوفمبر.
وأظهرت بيانات وتقارير تفاوتا في مستوى التوضيح الذي قدمته الجهات الرياضية بشأن المخاطر الأمنية، وارتباطها بالصراع الإقليمي من عدمه، اذ أعلن الاتحاد الدولي للسيارات (FIA) في 14 مارس 2026 على موقعه الرسمي، عدم إقامة سباقي السعودية والبحرين في موعدهما، ثم أوضح في وقت لاحق أن التطورات الإقليمية أثرت في الترتيبات اللوجستية لجولة السعودية في بطولة العالم للراليات. في المقابل، أكدت وزارة الرياضة السعودية استعداد المملكة للاستضافة، بينما أعلن منظمو كأس آسيا 2027 استمرار التحضيرات مع بقاء احتمال التأجيل مطروحا إذا استدعت الظروف ذلك، وقالت الجولة الآسيوية للغولف إنها تراقب الوضع بالتنسيق مع شركائها. وبالتالي لا تثبت جل بيانات الاتحادات والمنظمين، أن القرارات قد اتُخذت بسبب هجمات الحوثيين تحديدا.



من التهديد الأمني إلى الكلفة الاقتصادية


لا يتوقف تأثير الاضطرابات الأمنية المحتملة عند قرار تأجيل مباراة أو نقل بطولة. فتنظيم حدث دولي يتطلب شبكة واسعة من العقود والالتزامات تشمل حقوق البث والرعاية والإقامة والنقل والتذاكر والخدمات اللوجستية.
وقد يؤدي تغيير موعد بطولة إلى تكاليف إضافية للمنظمين والفرق المشاركة، أو إلى خسائر لبعض الشركات التي تعتمد على تدفق الزوار.
حيث قدّرت تحليلات مالية خسائر إلغاء سباقَي الفورمولا 1 في السعودية والبحرين بنحو 190 إلى 200 مليون دولار، وفق تحليل شركة غوغنهايم بارتنرز الأمريكية الذي نقلته صحيفة ذو ناشيونال الإماراتية، مع أثر يُقدر بنحو 80 مليون دولار على الأرباح التشغيلية. كما قدّر محللو بيرنشتاين الأمريكية للمشاريع رسوم الاستضافة المهددة للسباقين بنحو 100 مليون دولار، وفق صحيفة فاينانشل تايمز البريطانية، إذا لم يتم تنظيمهما خلال عام 2026. وفي قطاع الغولف، أُجّلت بطولة السعودية الدولية، التي تبلغ قيمة جوائزها 5 ملايين دولار، وسط مخاوف أمنية ولوجستية، دون إعلان خسائر فعلية. وأشارت إفصاحات شركة ليبرتي ميديا الأمريكية إلى تأثر المقارنات المالية لإيرادات الفورمولا 1 وتكاليفها نتيجة عدم إقامة السباقين. ومع ذلك، لا تمثل هذه الأرقام خسائر السعودية وحدها، ولا تثبت أن التأثير المالي ناجم حصرا عن هجمات الحوثيين.



تقليص الاستثمارات الرياضية.. قبل وبعد التوترات 


ظهر هذا التوجه بتقليص الاستثمارات الرياضية في التخلي عن خطط تجديد استضافة نهائيات رابطة محترفات التنس "WTA Finals"،  وتعليق مشروع منتجع تروجينا المرتبط بدورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029، بحسب صحيفة ذو ناشيونال الإماراتية. لكن في المقابل، أعلنت وزارة الرياضة السعودية تخصيص 2.164 مليار ريال لمبادرات دعم الأندية في موسم 2026–2027، ما يشير إلى إعادة توجيه الإنفاق وليس خفضا شاملا ومثبتا للميزانية الرياضية.
وفي وقت سابق أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي في 30 أبريل 2026 أنه سينهي تمويل دوري  LIV Golf بعد نهاية الموسم، مشيرا إلى تغير استراتيجية الاستثمار والظروف الاقتصادية العامة. وكانت الاستثمارات السعودية في الدوري قد تجاوزت 5 مليارات دولار، وفق وكالة الصحافة الفرنسية وتقارير نقلتها ذو دجابان تايمز في 3 مايو 2026. ويُظهر ذلك أن مراجعة بعض الاستثمارات الرياضية بدأت لأسباب استراتيجية ومالية أُعلن عنها، ولا يمكن نسبها بالكامل إلى الصراع أو التوترات الأمنية التي تصاعدت لاحقا.



ماذا عن مونديال 2034 ؟


تثير التوترات الإقليمية المخاوف بشأن كلفة تنظيم كأس العالم 2034 في السعودية، خصوصا في ما يتعلق بأمن الجماهير والمنتخبات، واستمرار الاستثمارات في البنية التحتية، والقدرة على إنجاز الملاعب في موعدها. وقدّر تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في يوليو  2025 الإنفاق على البنية التحتية المرتبطة بالبطولة بنحو 26 مليار دولار، بما يشمل الملاعب والنقل والمطارات والضيافة، فيما قدّر مساهمة البطولة المحتملة في الناتج المحلي الإجمالي بنحو 9 إلى 14 مليار دولار.
وتعزز هذه المخاوف تقارير صحفية دولية حديثة، إذ أفادت وكالة رويترز في 4 أكتوبر 2026 بأن مشروع ملعب نيوم، المقدّرة كلفته بنحو 2.5 مليار دولار، وُضع قيد التعليق إلى أجل غير محدد، فيما قدّرت منصة مييد قيمة مشروعات الملاعب والمنشآت المرتبطة بالمونديال بنحو 22.7 مليار دولار. وفي 14 أكتوبر، ذكرت منصة سيمافور الأمريكية أن صندوق الاستثمارات العامة يدرس التخلي عن خمسة ملاعب مقترحة، ما قد يخفض عدد الملاعب الجديدة إلى ستة، مع استخدام أربعة ملاعب قائمة بعد تجديدها.