قد لا تبدو الوحدة أو قلة التواصل مع الآخرين مشكلة صحية في حد ذاتها، لكن دراسة حديثة كشفت أن الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية قد يرتبطان بانخفاض عدد السنوات التي يعيشها الإنسان دون الإصابة بأمراض مزمنة أو اضطرابات نفسية، لتصل الخسارة في بعض الحالات إلى نحو 6 سنوات من الحياة الخالية من الاضطرابات النفسية.
ووفقًا لما نشرته جامعة تولين الأمريكية عن الدراسة، فإن الباحثين وجدوا ارتباطًا بين الوحدة والعزلة الاجتماعية وبين انخفاض متوسط العمر المتوقع الخالي من الأمراض، خاصة فيما يتعلق بالصحة النفسية. ونشرت الدراسة في مجلة Nature Communications، وشملت بيانات 277 ألفًا و489 شخصًا من المشاركين في البنك الحيوي البريطاني.
مفهوم الوحدة
واللافت أن الباحثين فرقوا بين مفهومين غالبًا ما يتم استخدامهما بمعنى واحد، رغم اختلافهما؛ فـالوحدة تشير إلى شعور الشخص الداخلي بأنه منفصل عن الآخرين أو يفتقد التواصل الذي يحتاج إليه، بينما تشير العزلة الاجتماعية إلى قلة التواصل والمشاركة الاجتماعية مع الآخرين.
وشملت الدراسة أشخاصًا كانوا في البداية خاليين من 7 أمراض مزمنة رئيسية، هي السكري من النوع الثاني، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، والأمراض العصبية التنكسية، والسرطان، والاكتئاب، والقلق.
وأظهرت النتائج أنه عند سن 50 عامًا، ارتبط وجود الوحدة والعزلة الاجتماعية معًا بانخفاض عدد السنوات الخالية من الأمراض الجسدية بنحو 2.4 سنة لدى النساء و1.7 سنة لدى الرجال، مقارنة بالأشخاص الذين لم يعانوا من الوحدة أو العزلة الاجتماعية.
لكن التأثير كان أكبر فيما يتعلق بالصحة النفسية؛ إذ ارتبط وجود العاملين معًا بانخفاض عدد السنوات الخالية من الاضطرابات النفسية بنحو 3.7 سنة لدى النساء و5.8 سنة لدى الرجال، مقارنة بمن لم يعانوا من الوحدة أو العزلة الاجتماعية.
وبالتالي، فإن الرقم الذي يقترب من 6 سنوات يتعلق بصورة أساسية بالسنوات الخالية من الاضطرابات النفسية لدى الرجال الذين يعانون من الوحدة والعزلة الاجتماعية معًا، وليس معنى ذلك أن الشخص يفقد 6 سنوات من عمره المتوقع بشكل مباشر.
وأوضح لو تشي، أستاذ علم الأوبئة في جامعة تولين والباحث الرئيسي في الدراسة، أن النتائج تشير إلى أن الوحدة والعزلة الاجتماعية يمكن أن يكون لهما تأثير واضح على متوسط العمر المتوقع الخالي من الأمراض، مع كون الارتباط أقوى بالنسبة إلى الصحة النفسية مقارنة بالصحة الجسدية.
ووجد الباحثون أيضًا أن نمط الحياة الصحي يمكن أن يخفف من الارتباط بين العزلة الاجتماعية وانخفاض السنوات الخالية من الأمراض؛ إذ كان تأثير العزلة الاجتماعية أقل لدى الأشخاص الذين يتبعون نمط حياة أكثر صحة. لكن الباحثين لم يجدوا التأثير نفسه بالنسبة للوحدة، ما يشير إلى أن ممارسة الرياضة أو اتباع نظام غذائي صحي قد لا يكون كافيًا وحده لتعويض التأثير المرتبط بالشعور بالوحدة.
وتكتسب النتائج أهمية خاصة مع تزايد الاهتمام بالعوامل الاجتماعية باعتبارها جزءًا من صحة الإنسان، وليس مجرد عوامل مرتبطة بالحالة النفسية. فالتواصل مع الأسرة والأصدقاء والمشاركة في الأنشطة الاجتماعية قد تكون جزءًا من نمط الحياة الذي يساعد الإنسان على الحفاظ على صحته وجودة حياته مع التقدم في العمر.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن الدراسة رصدية، ولذلك فهي تكشف وجود ارتباط بين الوحدة والعزلة الاجتماعية وبين عدد السنوات الخالية من الأمراض، لكنها لا تثبت بمفردها أن الوحدة أو العزلة الاجتماعية تسبب مباشرة فقدان عدد محدد من سنوات الحياة الصحية.
وتشير النتائج في النهاية إلى أن الحفاظ على العلاقات الاجتماعية والتواصل مع الآخرين قد يكون له أهمية تتجاوز الجانب النفسي، في الوقت الذي أصبحت فيه الصحة الاجتماعية جزءًا متزايد الأهمية من فهم عوامل الحفاظ على حياة أطول وأكثر صحة.


التعليقات 0
كن أول من يعلق على هذا الخبر